متفرّقات الــقــلـم الــحــــر ـ الاسلام الديمقراطي: ﻻ هو من اﻹسلام وﻻ هو من الديمقراطية
بقلم الأستاذ عفيف البوني
ظهر اﻹسلام المسيس في فجر اﻹسلام حين تشكلت أحزاب للسنة وللشيعة وللخوارج الى أن انقسم المسلمون بسبب المصالح الى أكثر من سبعين فرقة ادعت بعض منها أنها الفرقة الناجية وحدها وهكذا
تشكلت المذاهب الدينية ظاهرا والفلسفية والسياسية فعلا.
وفي القرن 20م تحول اﻹسلام المحزب والمسيس الى التهيكل باسم الدعوة ، وتمكن المتعصبون او المتطرفون احيانا من ممارسة العنف السياسي في مصر والسعودية وسوريا وغيرها منذ سبعينات
القرن الماضي وأطلق هذا العنف السياسي باسم اﻹسلام وهو مصطلح لم يصدر عن اﻹسلاميين بل من غيرهم، وسمعنا أخيرا وقد صارت تونس بعد مخبرا جديدا ومنذ سنوات لتجريب ما قد يمكن الحفاظ عليه من اﻹسلام السياسي الذي انحرف كثيرا وبشكل خطير عما هو مسموح به في اللعبة العالمية في حاﻻت ممارسة الجرائم اﻹرهابية أساسا تلك التي وقعت في العالم المتمدن أو
هددت المصالح اﻹستراتيجبة للقوى الكبرى عالميا وإقليميا.سمعنا بابتكار مصطلح جديد يبدو جميلا ورنانا وأريد به اﻹيهام بالتخلي عن اﻹسلام السياسي الذي شوهه اﻹرهاب وجرمته القوى الكبرى
وهو اﻹسلام( الديمقراطي )والسؤال: هل حقا يصح وصف الإسلام كدين بالديمقراطي؟كما لو أنه يوجد اسلام آخر غير ديمقرطي! وفي هذه الحالة أين نضع الفتاوى والكتب التي ﻻتحصى والتي كفرت
الديمقرطية والحداثة؟ ثم هل يصح التهجين في هذا الخلط مرة أخرى بين الدين وهو شأن بين المسلم وربه، وبين الديمقراطية والتي في معناها ونظامها وقيمها وقواعدها ومرجعياتها ﻻ صلة لها البتة
بالدين والروحانيات والماورائيات والمقدسات، فالمسلم في اﻹسلام مرجعه دين اﻹسلام لشخصه وحده وتجاه ربه يميز بمنطق الدين الحلال والحرام والخير والشروالثواب والعقاب والجنة والنار ويميز بين اﻹنسان والملائكة والشياطين والجن ويذكر ما ورد بالنص عن تمييز منزلة المرأة عن الرجل وفي اﻹرث وفي تعدد الزوجات..وفي تمييز الحر عن العبد والمسلم يبقى مسلما ان فعل ذلك ماضيا وحتى حاضرا بمنطق الدين.
أما في نظام الديمقراطية السياسي والقانوني والفلسفي المعاصر فلا دخل للأديان والمقدسات لكل اﻷفراد في ذلك البتة حيث ﻻ يعامل الناس على أساس أديانهم الشخصية او الفلسفية كمتديين بل هم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات مرجعيتهم مهما كانت اديانهم الدستور والقانون سيد الجميع والسيادة مرجعها الشعب وحده.ولذلك هم في الديمقرطية ﻻيبايعون كأجدادنا انسانا حاكما مدى الحياة وبمطلق الصلاحيات باسم الخليفة، بل ينتخبون ولمدة محدودة من يعدهم بأفضل البرامج في التنمية واﻹستقرار واﻷمن والحريات في الحياة وليس بعد الممات.
ﻻشيء حقا يجمع بين اﻹسلام كدين بكل ما فيه من قيم روحية وإنسانية سامية تبقى حية في ضمائر المسلمين، وبين ما ليس بدين أي نظام الديمقراطية الذي يضمن برقابة الشعب المباشر وفي الحياة والواقع تحقيق اكبر قدر من التوازن في المصالح والحريات والحقوق للجميع دون تمييز عند سن القوانين او تغييرها وعند تنفيذها او بمقاضاة من ينتهكها والشعب هو السيد في السياسة للمواطن مثلما ان الله هو السيد اﻷعلى في الدين والعبادة الشخصية.
ﻻيوجد اسلام ديمقراطي ثم إنه ﻻتوجد ديمقراطية اسلامية أصلا ومصطلح الشورى في الشكل والممارسة ﻻ صلة له بالديمقراطية بل يوجد اﻹسلام ، وﻻ توجد ديمقراطية اسلامية لأن الديمقرطية جوهر وتجربة في الممارسة البشرية السياسية ولم ترد في أي دين وﻻيصح خلطها بأي دين وذلك الخلط تخلصت منه كل شعوب العالم وبعض من المسلمين وحدهم اختاروا سياسيا وايديولوجيا هذا الخلط ويستمرون، كما ﻻيوجد ديمقراطيون اسلاميون بمعنى وجود خلطة 50% مخلوطة مع 50% فاﻹنسان المسلم هو كذلك بشخصه لوحده مع الله، واﻹنسان المواطن هو كذلك حالة أخرى سياسية وقانونية مقيدة بدستور وقوانين الدولة في الفضاء العام، فالمسلم التونسي بامكانه ان يعدد زوجاته وأن يمتلك الرقيق واﻷموات وان يطلق متى شاء هذا بمنطق الدين، أما الموطن التونسي المسلم والديمقراطي وحتى غير الديمقراطي، فلايمكنه أن يفكر في ذلك أو أن يفعل ذلك ﻹن ثقافته الديمقراطية والقانونية تمنعه من ذلك التصور .
إن الهوية السياسية والقانونية واﻹنسانية واﻹجتماعية والثقافية اليوم للمواطن في الدولة المدنية الديمقراطية شيء مختلف كلية عن الهوية الدينية من أي دين لكل انسان متدين في علاقته مع الله، ومرة أخرى يوجد اﻹسلام ويوجد المواطن المسلم وغير المسلم ولا تسمح القوانين اليوم بوجود المسلم او اﻹسلامي الذي يمكنه أن يزعم بأنه حر في أن يتحرر من قوانين المواطنة.